أشار مركز الولاء للوطن للبحوث والدراسات العميد الركن الطيار المتقاعد اندره بومعشر، إلى أنّ "الانتخابات الأميركية والإسرائيلية كشفت عن مفارقة استراتيجية لافتة: التفوق العسكري لا يضمن الانتصار السياسي، والحروب التي تُخاض باسم المصالح الوطنية قد تتحول إلى عبء على الحكومات عندما تتجاوز تكاليفها نتائجها".
ولفت إلى أن "خسارة الجمهوريين الأكثرية في مجلسَي الكونغرس، وتراجع معسكر (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتانياهو دون عتبة الأكثرية البرلمانية، يطرحان أسئلة جوهرية حول جدوى الحروب، وحدود القوة، وأولويات الشعوب، ومستقبل السياسات الأميركية في الشرق الأوسط".
واعتبر بومعشر، أنّ "النظرية الاستراتيجية تؤكد أن الحرب وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، وليست غاية قائمة بذاتها. ومن هنا، فإن تدمير القدرات العسكرية للخصم لا يعني بالضرورة إخضاع إرادته السياسية أو تحقيق الأهداف التي اندلعت الحرب من أجلها".
وأوضح أنّه "هنا يبرز الخلل في الترابط الاستراتيجي بين الأهداف العسكرية والأهداف السياسية في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. فقد ينجح التفوق العسكري في إضعاف الخصم، لكنه يعجز عن فرض تسوية مستقرة أو إعادة تشكيل النظام الإقليمي وفق الأهداف المعلنة. فالنصر العسكري لا يتحول تلقائياً إلى نصر استراتيجي، وقد تنتهي الحرب بانتصارات ميدانية يقابلها إخفاق سياسي. والقاعدة الحاسمة: لا قيمة استراتيجية لانتصار عسكري يعجز عن تحقيق الغاية السياسية للحرب".
ورأى بومعشر، أنّ "الانتخابات الأميركية أعادت الاعتبار إلى الأولويات الاقتصادية والمعيشية في مواجهة الطموحات الجيوسياسية الخارجية. فالناخب الأميركي يريد أن يرى نتائج قوة بلاده في مستوى معيشته وقدرته الشرائية واستقراره الاقتصادي، وليس فقط في حجم نفوذها العسكري وانتشار قواتها. وتبرز هنا إعادة ترتيب للأولويات، يتقدم فيها الرفاه الاقتصادي، وتليه حماية القيم والمؤسسات الديمقراطية، فيما تخضع الالتزامات الأمنية الخارجية لمعيار الضرورة والمصلحة والكلفة. ولا يعني ذلك تخلي الأميركيين عن أمنهم القومي، بل رفض تحويل الحروب الخارجية إلى التزامات مفتوحة تُستنزف فيها الموارد من دون عوائد وطنية واضحة. فالناخب لا يسأل فقط: هل انتصرت أميركا في الخارج؟ بل يسأل أولاً: هل أصبحت حياتي أفضل في الداخل؟".
وأضاف: "أكدت الانتخابات أهمية التمييز بين المصالح الوطنية الأميركية والالتزامات الاستراتيجية الخارجية. فالتحالف الأميركي الإسرائيلي، مهما بلغت متانته، لا يعني بالضرورة تطابق المصالح والأولويات. وما تعتبره إسرائيل ضرورة أمنية قد لا يراه الناخب الأميركي مبرراً لتحمل حرب طويلة وتكاليف اقتصادية متزايدة. وهنا تستعيد المصلحة الوطنية موقعها بوصفها المرجعية العليا لصنع القرار، وتصبح الحروب والتحالفات أدوات لخدمتها، لا التزامات تتقدم عليها. فالناخب الأميركي لا يمنح حكومته تفويضاً مفتوحاً لخوض حروب الآخرين، مهما كانت أهمية التحالفات".
وأوضح بومعشر، أنّ "على الرغم من الانقسامات الحادة، أظهرت الانتخابات أن الديمقراطية الأميركية ما زالت تمتلك القدرة على محاسبة السلطة وتصحيح المسار. فالانتصار الرئاسي لا يمنح الحاكم حصانة سياسية، والتفوق العسكري لا يعفيه من المساءلة عن النتائج الاقتصادية والأمنية لقراراته. وقد أعادت صناديق الاقتراع توزيع موازين السلطة، مؤكدة أن القرار السياسي، بما فيه قرار الحرب، يخضع في النهاية لتقييم المواطنين. فقوة الديمقراطية لا تكمن في منع القادة من ارتكاب الأخطاء، بل في قدرتها على محاسبتهم وتغييرهم وتصحيح سياساتهم".
وأكّد أنّه "تفتح نتائج انتخابات التجديد النصفي الطريق مبكراً نحو السباق الرئاسي الأميركي لعام 2028. وسيكون على المرشح الجمهوري المقبل أن يعيد بناء ثقة الناخبين، وأن يثبت أن حزبه قادر على تحقيق الازدهار الاقتصادي والاستقرار الداخلي، بالتوازي مع حماية المصالح الأميركية في الخارج. أما الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فسيسعى خلال ما تبقى من ولايته إلى بناء إرث سياسي يمكن للجمهوريين الدفاع عنه انتخابياً. وهذا يضعه أمام خيارين: الاستمرار في التصعيد العسكري بحثاً عن إنجاز سريع، أو تحويل التفوق العسكري إلى تسويات سياسية قابلة للاستمرار، يمكن تقديمها بوصفها انتصاراً يخدم المصالح الوطنية".
وأشار بومعشر، إلى أن "الانتخابات المقبلة لن تُحسم بعدد الضربات العسكرية، بل بقدرة المرشحين على إقناع الأميركيين بأن خياراتهم ستجعل حياتهم أكثر أمناً وازدهاراً".
وقال: "تضع هذه التحولات واشنطن وتل أبيب أمام اختبار استراتيجي حاسم. ففي إيران، لا يكفي إضعاف القدرات العسكرية من دون تصور سياسي لإنهاء الحرب. وفي لبنان، لا يؤدي إضعاف حزب الله عسكرياً تلقائياً إلى استعادة الدولة لسيادتها أو قيام استقرار أمني دائم. أما إسرائيل، فإن نتائج انتخاباتها تعكس بدورها حدود قدرة الإنجازات العسكرية على ضمان الاستقرار السياسي الداخلي. ولذلك، قد تصبح التسويات السياسية أكثر جاذبية لواشنطن من الحروب المفتوحة، من دون استبعاد تصعيد محدود لتحسين شروط التفاوض".
وتابع بومعشر: "لكن يبقى خطر الهروب إلى الأمام قائماً، إذا اعتقدت القيادات السياسية أن مزيداً من القوة العسكرية قادر على تعويض خسائرها السياسية".
وأوضح في الخلاصة، أنّه "تكشف انتخابات 2026 عن حقيقة تتجاوز حدود الولايات المتحدة وإسرائيل: القوة العسكرية ليست بديلاً عن الاستراتيجية السياسية، والنفوذ الخارجي ليس بديلاً عن الازدهار الداخلي، والتحالفات لا تتقدم على المصلحة الوطنية. فالسياسة هي التي تحدد غايات الحرب، والمصلحة الوطنية هي التي تحدد مشروعيتها، والمواطن هو الذي يحاسب السلطة على نتائجها. والدرس الاستراتيجي الأهم: قد تنتصر الجيوش في ميادين القتال، لكن الحكومات تخسر في صناديق الاقتراع عندما تعجز عن تحويل انتصاراتها العسكرية إلى مكاسب سياسية واقتصادية يشعر بها المواطن".
ورأى بومعشر، أن "أخطر الهزائم ليست تلك التي تقع في ساحات المعارك، بل تلك التي تقع عندما تنتصر القوة وتفشل السياسة".